الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

93

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

ومن أين تعرف الجاهلية بل الصحابة المعاصرون للنبيّ هذه المعاني الغامضة ، ليتهيّأ لهم التعبير عنها أمّا الجاهليّة فإنّهم إنّما كانت تظهر فصاحتهم في صفة بعير أو فرس أو حمار وحش أو ثور فلاة أو صفة جبال أو فلوات ونحو ذلك ، وأمّا الصحابة فالمذكورون منهم بفصاحة إنّما كان منتهى فصاحة أحدهم كلمات لا تتجاوز السطرين أو الثّلاثة : إمّا في موعظة تتضمن ذكر الموت أو ذمّ الدنيا ، أو ما يتعلّق بحرب وقتال من ترغيب أو ترهيب ، فأمّا الكلام في الملائكة وصفاتها وعبادتها وتسبيحها ومعرفتها بخالقها وحبّها له وولهها إليه ، وما جرى مجرى ذلك ممّا تضمنّه هذا الفصل على طوله ، فإنهّ لم يكن عندهم معروفا بهذا التفصيل . نعم ربما علموا جملة غير مقسّمة هذا التقسيم ولا مرتّبة بهذا الترتيب ، بما سمعوه من ذكر الملائكة في القرآن العظيم ، وأمّا من عنده من هذه المادة ، كعبد اللّه بن سلام وأميّة بن أبي الصلت وغيرهما فلم تكن لهم هذه العبارة ولا قدروا على هذه الفصاحة ، فثبت أنّ هذه الأمور الدقيقة لم تحصل إلّا لعليّ عليه السّلام وحده ( 1 ) . وقال أيضا في شرح كلامه عليه السّلام في صفة الاحتضار وسقوط الناطقة ثمّ السامعة ثمّ الباصرة : هذا موضع المثل « في كلّ شجرة نار واستمجد المرخ والغفار » ( 2 ) . الخطب الوعظية الحسان كثيرة ، ولكن هذا حديث يأكل الأحاديث ، فإنّ نسبة هذه الخطبة إلى كلّ فصيح من الكلام - عدا كلام اللّه تعالى ورسوله - نسبة الكواكب المنيرة الفلكيّة إلى الحجارة الأرضيّة المظلمة ، ثم لينظر الناظر

--> ( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 150 شرح الخطبة ( 89 ) ونقله الشارح بتصرف . ( 2 ) نقله الميداني في مجمع الأمثال 2 : 74 ، والزمخشري في المستقصي 2 : 183 قال الزمخشري : « يضرب في تفضيل القوم على بعض إذا كانوا كلّهم ذوي خير ، ولبعضهم مزية وتقدّم ليس للآخرين » .